محمد عبد الله دراز

103

دستور الأخلاق في القرآن

الإلزام قهرا شبه غرزي فإنّه يفقد بذلك صفته الأخلاقية ، وعكس ذلك : أنّ تلقائية الحبّ هي نقيض الإلزام . والحقّ أنّ الأخلاقية الصّحيحة لا تجد هنا مجالها ، في إحدى الحالتين ، أو في الأخرى ، فالإنسان قد صور لنا على أنّه لعبة في يد قوة ، أيّة كانت ، فهو تارة مدفوع بالغريزة ، وأخرى محمول بالعاطفة ، ولكنه لم يكن مطلقا شخصية مستقلة ، قادرة على المقارنة ، والتّقويم ، والاختيار . وإذن ، فلكي تكون لدينا أخلاقية لا يكفي أن يتمثل لنا المثل الأعلى على أنّه هدف لطموح متوثب محلق ، ولا على أنّه أمر البيئة ، وكأنّه ضريبة استبدادية ، بل يجب أن يمر كلاهما في الضّمير ، ويتعرض لعملية إنضاج حقيقية ، يخرج منها بمظهر جديد ، قائم على مبادئ قانونية ، يقويها ، ويفرضها العقل . فما دامت جاذبية المثل الأعلى ليست لها صبغة الأمر الصّادر عن العقل ، وحتّى لو لم تكن نوعا من ملاحقة السّراب ، أو حلما واهما ؛ فإنّها تظل محكومة بنوع من الإحساس بالجمال ؛ ولكن هذا الإحساس بالجمال ، مهما بلغ من النّبل ، فلن يكون مبدأ أخلاقيا . وكذلك الحال في كلّ خضوع لا مسوغ له ، إلّا أن يكون صادرا عن نوع من الإرهاب الجماعي . ومن هنا نرى القرآن يقف دائما أمام هذين العدوين للأخلاقية : اتباع الهوى دون تفكير : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ « 1 » . فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا « 2 » ،

--> ( 1 ) ص : 26 . ( 2 ) النّساء 135 .